الشيخ محمد الصادقي
215
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وقد تختلف الأمانات وجاه متقبليها في عرضها ، فلا تعرض أمانة العقل على من ليس يعقل ، ولا أمانة الشعور على من ليس يشعر ، ولا اية أمانة على ما ليس ليحملها ، وهنا « الأمانة » معروضة على الكون كله فكائنة كامنة في الكون كله ، المعبر عنه هنا وفي سائر القرآن ب « السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » وتخصيص الجبال من زمرة غير العقلاء يعني مثالا لأصلب كائن وأصلده ، كما تخصيص الإنسان من زمرة العقلاء يعني اعقل كائن ، فهذه الأمانة من الرحمة الرحمانية بعد الخلق كالهداية العامة « رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » ومن الهدى لكل شيء هدي التسبيح « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » وتجمعهما الولاية وكما في رواية . إذا فليست هي فقط - أمانة العقل إذ تخص العقلاء ، ولا أمانة الشعور إذ تخص الدواب ، ولا اية أمانة تخص كائنا دون سواه ، فهي إذا أمانة تعم كل كائن هي مخلوقة معه مفطورة فيه ، خلقت مع الخلق كله وعرضت على الخلق كله فانقسم في هذا العرض العريض إلى من « فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا » فهي - إذا - الولاية ، شعور التسبيح بحمد اللّه وواقعه . ولأنها أمانة فقد تحملها الكون كله كرها في تكوينه ، إذ لا تسمى أمانة وجاه من لم يتقبلها ، ثم ولا موقف لها أمانة إلّا أداؤها أو خيانتها : « فَأَبَيْنَ . . . وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ » بعد تحملّها في كره التكوين فحمل الأمانة هو خيانتها ، والإنسان هو رأس الزاوية في خيانة الأمانة ثم الجن ثم سائر المكلفين ، فهو من هذه الناحية - ككلّ ومجموعة - في أسفل سافلين ، ومن حيث السابقين والمقربين وأصحاب اليمين هو رأس الزاوية في أداء الأمانة سليمة فهو في أعلى عليين ، حيث الرسالات الإلهية في الأصل ليست الا في